ملا محمد مهدي النراقي

62

جامع السعادات

فكذلك التفات قلب العبد إلى غير الله تعالى وبغضه وكراهته نقصان في الحب والأنس ، كما أن التفاته بالحب نقص فيهما . إذ كما لا يجتمع في قلب واحد حبان في حالة واحدة ، فكذلك لا يجتمع فيه حب وبغض في حالة واحدة . فالمشغول ببغض الدنيا غافل عن الله كالمشغول بحبها ، وإن كان الثاني أسوأ حالا من الآخر . إذ المشغول يحبها غافل في غفلته ، سالك في طريق البعد ، والمشغول ببغضها غافل ، وهو في غفلته سالك في طريق القرب ، فيحتمل زوال غفلته وتبدلها بالشهود ، فالكمال مرتقب له ، إذ بغض الدنيا مظنة توصل العبد إلى الله . وهرب الأنبياء والأولياء من المال ، وفرارهم عنه ، وترجيحهم فقده على وجوده - كما أشير إليه في بعض الأخبار والآثار - : أما نزول منهم إلى درجة الضعفاء ليقتدوا بهم في الترك ، إذ الكمال في حقهم حب الترك وبغض الوجود ، لأن مع وجوده يتعذر في حقهم استواء وجوده وفقده وكونه عندهم كماء البحر ، فلو لم يظهر الأنبياء النفار والكراهة من المال ويقتدي الضعفاء بهم في الأخذ لهلكوا . فمثل النبي كمثل المعزم الحاذق ، يفر بين يدي أولاده من الحية ، لا لضعفه عن أخذها ، بل لعلمه بأنه لو أخذها لأخذها أولاده أيضا إذا رأوها ، وهلكوا . فالسير بسيرة الضعفاء صفة الأنبياء والأوصياء . أو غير الهرب والنفار اللازمين للبغض والكراهة وخوف الاشتغال به ، بل كان نفارهم منه كنفارهم من الماء ، على معنى أنهم شربوا منه بقدر حاجتهم ، وتركوا الباقي في الشطوط والأنهار للمحتاجين من غير اشتغال قلوبهم بحبه وبغضه . ألا ترى أنه قد حملت خزائن الأرض إلى رسول الله وخلفائه ، فأخذوها ووضعوها في مواضعها ، من غير هرب منه وبغض له ، وذلك لاستواء المال والماء والحجر والذهب عندهم . ثم تسمية صاحب هذه المرتبة بالفقير والمستغني لا يوجب التنافي ، إذ إطلاق الفقير عليه لمعرفته بكونه محتاجا إليه تعالى في جميع أموره عامة وفي بقاء استغنائه عن المال خاصة ، فيكون اسم الفقير له كاسم العبد لمن عرف نفسه بالعبودية وأقر بها ، فإنه أحق باسم العبد من الغافلين ، وإن كان عاما للخلق . ثم كل مرتبة من المراتب المذكورة للفقر ، ما عدا الأخيرة ، أعم من أن يكون بالغا حد الاضطرار ، بأن يكون ما فقده من المال مضطرا